العيني

103

عمدة القاري

لم يكن معها أحد ، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد ، فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت ، وقال داود وأهل الظاهر : لا ضمان بكل حال ، سواء كان برجل أو بقدم لإطلاق النص ، إلاَّ أن يحملها الذي فوقها على ذلك ، أو يقصده فيكون حينئذ كالآلة ، وكذا إذا تعدى في ربطها أو إرسالها في موضع لا يجب ربطها فيه . وقالت الشافعية بالإطلاق ، يعني سواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ، ونحوه ، فإنه يجب ضمانه في مال الذي هو معها ، سواء كان مالكها أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا أو مودعا أو وكيلاً أو غيره ، إلاَّ أن تتلف آدميا فتجب ديته على عاقلة الذي معها ، والكفارة في ماله . وقال مالك والليث والأوزاعي : لا ضمان فيما إذا أصابته بيدها أو رجلها ، وعند أبي حنيفة أنه : لا ضمان فيما رمحت برجلها دون يدها لإمكان التحفظ من اليد دون الرجل ، وأما إذا أتلفت بالنهار وكانت معروفة بالإفساد ولم يكن معها أحد ، فإن مالكها يضمن ، لأن عليه ربطها والحالة هذه ، وأما جنايتها بالليل فقال مالك : يضمن صاحبها ما أتلفته ، وقال الشافعي وأصحابه : إن فرط في حفظها ضمن وإلاَّ فلا . وقال أبو حنيفة : لا ضمان فيما رعته نهارا . وقال الليث وسحنون : يضمن ، وقد ورد حديث صحيح مرفوع في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع ، وإنه يضمن كما قاله مالك ، أخرجه أبو داود والنسائي من حديث حرام بن محيصة عن البراء ، ومن حديث حرام عن أبيه : أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته فقضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل . الوجه الثاني : مسألة البئر ، وقد ذكرناه . الوجه الثالث : مسألة الركاز ، وفيه وجوب الخمس وهو إجماع العلماء إلاَّ ما روي عن الحسن وقد ذكرناه . وقد ذكرنا أيضا أن الركاز قطع من الذهب تخرج من المعادن . وقال الكرماني : هل في الحديث ما يدل على أن المعدن ليس بركاز ؟ قلت : نعم حيث عطف الركاز على المعدن ، وفرق بينهما بواو فاصلة فصح أنهما مختلفان ، وأن الخمس في الركاز لا فيه . قلت : الكرماني حفظ شيئا وغابت عنه أشياء ، وروى البيهقي في ( المعرفة ) من حديث حبان بن علي عن عبد الله بن سعيد بن أبي عن أبيه عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الركاز الذهب الذي ينبت بالأرض ) ، ثم قال : وروي عن أبي يوسف عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن جده عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( في الركاز الخمس ، قيل : وما الركاز يا رسول الله ؟ قال : الذهب الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقت ) . انتهى . وهذا ينادي بأعلى صوته أن الركاز هو المعدن ، وأصرح منه ما رواه الدارقطني في ( العلل ) وإن كان تكلم فيه حديث أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الركاز الذي ينبت على وجه الأرض ) ، وذكر حميد بن زنجويه النسائي في ( كتاب الأموال ) عن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، أنه جعل المعدن ركازا وأوجب فيه الخمس ، ومثله عن الزهري ، وروى البيهقي من حديث مكحول أن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، جعل المعدن بمنزلة الركاز فيه الخمس . فافهم . الوجه الرابع في المعدن ، وهو أنواع ثلاثة : ما يذوب بالنار ولا ينطبع ، كالجص والنورة والكحل والزرنيخ والمغرة . وما يوجد في الجبال ، كالياقوت والزمرد والبلخش والفيروزج ، ونحوها . وما يكون مائعا : كالقار والنفط والملح المائي ونحوها ، فالوجوب يختص بالنوع الأول دون النوعين الأخيرين عندنا ، وأوجب أحمد في الجميع ، ومالك والشافعي في الذهب والفضة خاصة ، وعموم الحديث حجة عليه . الوجه الخامس أنه يجب في قليله وكثيره ، ولا يشترط فيه النصاب عندنا ، واشترط مالك والشافعي وأحمد أن يكون الموجود نصابا ولم يشترطوا الحول . وقالوا : كم من حول قد مضى عليه ؟ وضعف هذا الكلام ظاهر ، لأن الأحوال التي مضت عليه في غير ملك الواجد ، فكيف يحسب عليه ؟ واختار داود وإسحاق وابن المنذر وأحمد والمزني والشافعي والبويطي اشتراط النصاب والحول في ذلك ، ولنا النصوص خالية عن اشتراط النصاب ، فلا يجوز اشتراطه بغير دليل سمعي . الوجه السادس : في مكانه إن وجد المسلم أو الذمي في داره معدنا فهو له ولا شيء فيه عند أبي حنيفة وأحمد إلاَّ إذا حال عليه الحول وهو نصاب ففيه الزكاة ، وعند أبي يوسف ومحمد : يجب الخمس في الحال ، وعند مالك والشافعي : الزكاة في الحال